أزمة “مارينا” صنعها الأباطرة.. ووزير الإسكان يدفع الثمن


إسكان مصر – محمود محمد

عزيزي القارئ .. عزيزي عضو الجهة الرقابية .. عزيزي المسؤول في وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة.. عزيزي المواطن المطحون المنهوب على مر التاريخ .. انتبه فالسطور القادمة بلاغ لكم جميعاً عما يحدث في بقعة هامة وغالية من بقاع الدولة المصرية، وقد تصبح قضيتها في فترة ما من عمر هذا الوطن قضية رأي عام يقاد فيها وزير إلي المحاكمة ليكرر تجربة وزراء إسكان سابقين يقبعون الآن خلف الأسوار..

تلك البقعة الهامة التي قرر رجال أعمال التكويش عليها، وبلغت أحلامهم مبلغا بالسعي لطرد الحكومة وانهاء وجودها في مركز مارينا العلمين السياحي أو “قرية مارينا” ، المملوكة لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة ويمثلها جهاز القرى السياحية.

المعركة تدور رحاها منذ فترة طويلة، لكنها أوشكت على الحسم إما بانتصار الأباطرة من رجال الأعمال وحصولهم على الجمل بما حمل دون وجه حق، أو أن يقف وزير الإسكان المهندس مصطفي مدبولي موقفا شجاعا ويتصدى لمحاولات تركيع وزارته ، محافظا على المال العام..

هذه مقدمة لابد منها وسننتقل للتفاصيل حتى تكون قراءة القضية أكثر وضوحاً:

مركز مارينا العلمين السياحي، هو أحد مشروعات وزارة الإسكان، ويقع تحت ولاية جهاز القرى السياحية التابع لهيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، ويمثله المهندس خالد أبو العطا رئيس الجهاز، وتم بيع وحداته إلي مواطنين مصريين “أغلبهم رجال أعمال”، ويمثلهم اتحاد شاغلي مركز مارينا برئاسة رجل الأعمال محرم هلال.

مخالفة العقود

أثناء قيام المواطنين بالتعاقد مع وزارة الإسكان على شراء وحدات سياحية وشاليهات في قرية مارينا، نصت العقود على أن الوحدة المباعة تقع ضمن المخطط الحالي لمركز مارينا، وهو من قبيل التخطيط المبدئي، وانه من حق الهيئة في سبيل تنمية المركز اقتصاديا وسياحيا اجراء أية تعديلات على المخطط سواء بالتعديل او الحذف او الإضافة.

كما نصت العقود على أن المشترى يمتلك الأرض المقام عليها البناء فقط، وليس له أي حقوق في الفراغات والممرات والطرق والمسارات والمناطق الخضراء (الحدائق) داخل كردون مركز مارينا العلمين السياحي.

العقد واضح.. والعقد شريعة المتعاقدين، لكن أطماع رجال الأعمال دفعتهم لمحاولة استغلال مساحات الأراضي الشاغرة في مارينا لحساب اتحاد الشاغلين، ولمعت أفكار جهنمية في رأس كل منهم، بعضها يخص العوائد المالية نظير تأجير الشواطئ والكافيتريات وإصدار تصاريح الدخول والصيانة وغيرها وغيرها من الأنشطة التي تدر دخلا للدولة حاليا يقدر بـ100 مليون جنيه سنويا مرشحة للزيادة، حيث رأى اتحاد شاغلي مارينا انه أولي بها وعليه أن يبذل في سبيل ذلك كل الجهود الممكنة لإنهاء وجود وزارة الاسكان والاستيلاء على هذه المساحات والمنافع واستغلالها لحساب اتحاد الشاغلين كما يروجون.

اتحاد الشاغلين حاول في سبيل ذلك بشتي الطرق، ولآن كل مطالبه غير مشروعه وغير قانونية لم يتحصل منها على شئ حتى الآن، لكن اليأس لم يتسلل إليه، فلديه من الاتصالات والعلاقات مع وزراء ومحافظين وقيادات سابقين وحاليين جميعهم من ملاك الوحدات في مارينا، ما يؤهله للضغط بشكل أوسع على وزير الإسكان ورئيس الحكومة المهندس شريف إسماعيل خلال الفترة القادمة، لإجبار الدولة على ترك مارينا لهم يفعلون فيها ما يحلو لهم.

بداية المواجهة

هنا برز دور رئيس جهاز القرى السياحية المهندس خالد أبو العطا، حيث رفض كل محاولات التكويش على مارينا، فهي مملوكة للدولة، فضلا عن أن الدولة لم تنتهي من استغلال كافة الأراضي الشاغرة، كما انها شريك بنسبة 20% في ملكية القرية، أي أن الملاك لا يملكون مارينا بالكامل، فهو يملكون جزء منها حتى وإن شكل الاغلبية إلا أن الدولة لا تزال موجودة ولها الحق في استغلال كافة الأراضي الشاغرة، واستكمال مخطط التنمية وفقا لرؤيتها، وبحسب العقود الموقعة مع الملاك.

اتحاد شاغلي مارينا لم يعجبه هذا الرأي وهذا التوجه، وقرر محاربة رئيس جهاز القرى السياحية بشتى الطرق والوسائل، ساعدهم في ذلك صمت مريب من قيادات هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، والتي وقفت تشاهد محاولات لنهب أراضي الدولة وخيراتها دون أن تحرك ساكناً.

اتصالات وضغوط

جولات مكوكية قام بها رئيس الاتحاد محرم هلال، من مارينا إلي مكتب وزير الإسكان والعكس واتصالات مكثفة ووساطات وتوصيات، فهو يبحث عن دور بعد خروجه من جمعية مستثمري العاشر من رمضان، مستعينا بالقيادات التي انضمت حديثا لمجلس إدارة شركة التعمير للتنمية والإدارة السياحية – المسؤولة عن الخدمات في مارينا- وعلى رأس مجلس إدارتها محافظ البنك المركزي الأسبق الدكتور فاروق العقدة، و في مجلسها الوزير السابق هشام زعزوع وغيره من القيادات السابقين في الدولة.

المعركة حامية، وجهاز القرى السياحية يقف بمفرده في وجه طوفان رجال الأعمال، يحمي ممتلكات الدولة بكل ما أوتى من قوة، فيما تمارس الضغوط على وزير الإسكان لإجبار أبو العطا على الرضوخ لطلبات أباطرة مارينا، وصلت أقصاها بالتواصل مع رئيس الوزراء قبل فترة قصيرة، للضغط على الوزير لنقل المهندس خالد أبو العطا من جهاز القرى السياحية ليخلوا الجو لاتحاد الشاغلين في التكويش على مارينا بالكامل.

تركيع الدولة

تغيير استراتيجية “التركيع” قد تكون حلا مناسباً يرضي رجال الأعمال في مارينا، وينهي الصداع المزمن في رأس الوزير ورئيس الحكومة، خاصة وأن صاحب أشهر المشروعات في مارينا صدر قرار بسحب أرض المشروع منه لعدة مخالفات جميعها مثبته قانونا، ما شكل أداة ضغط جديدة على الوزير، قد تدفعه لاستبعاد أبو العطا وتولية أخر ضعيف مهام جهاز القرى السياحية ليتم تمرير مخطط اتحاد الشاغلين دون شوشرة، وإن كانت هذه اللعبة الخطرة كفيلة بأن تكتب نهاية مأساوية للوزير مصطفي مدبولي، كتلك التي كتبت للوزير محمد إبراهيم سليمان ، ومن بعده أحمد المغربي.

المعركة الشرسة بين من يحافظون على أملاك الدولة وحقوقها، وبين من يسعون لتحقيق مزيد من المكاسب لملاك الوحدات بمارينا حتى وإن كانت غير قانونية، تخللتها أحداث تصاعدية بتشكيل لجنة الإسكان بمجلس النواب وفداً لرصد مخالفات وإهدار المال العام في مارينا، حيث انطلقت التصريحات الرنانة بأن جهاز القرى السياحية أهدر 36 مليار جنيه بعدم استغلال المساحات الشاغرة أو تلك التي ظهرت نتيجة المد والجزر “متكثفات”، أو تعديل المخطط العام، لكن اللجنة ذهبت ورصدت ولم يعرف أحدا حتى الآن أين التقرير الخاص بمارينا، وهل هناك اهدار للمال العام بالفعل أم لا، ولماذا صمتت اللجنة؟ وهل صمتها يخدم توجهات اتحاد الشاغلين! وكان الأمر بمثابة زوبعة في فنجان.

اتحاد شاغلين غير قانوني

الأمر الهام، الذي لم ينتبه إليه أحد، هو تجاوز اتحاد شاغلي مارينا لاختصاصاته، حيث انه يمارس دورا غير قانونيا على الإطلاق، فليس من حق الاتحاد الحديث عن أي أمر يخص التنمية في مارينا، أو طرق استغلالها، فوفقاً لقانون البناء رقم 119 لسنة 2008 نجد المواد من 80 إلى 89 قد حددت اختصاصات اتحاد الشاغلين في القرارات المتعلقة بالمبنى خصوصاً ما يتعلق بالأجزاء المشتركة منه سواء صيانة أو خلافة”. أي ان اتحاد شاغلي مارينا يمارس دوراً أوسع مما يمنحه القانون.

بل سأزيدكم من الشعر بيتاً، حيث أن قانون اتحاد الشاغلين ينص في المادة (8) : على أن يترأس اتحاد الشاغلين أحد ملاك العقارات، وهو مالا يتحقق في حالة اتحاد شاغلي مارينا، حيث أن الوحدة التي يقيم فيها رجل الأعمال محرم هلال غير مسجلة باسمه بل باسم زوجته السيدة/ هدي السادات، وهي مخالفة جسيمة تستوجب مساءلته قانونا، فكيف يتولى رئاسة الاتحاد وهو غير مالك للوحدة.

مكاسب الأباطرة

المعركة الدائرة الآن تصب في صالح عدد كبير من ملاك الوحدات في مارينا، حيث أن تولي الاتحاد مقاليد الأمور، يعني سقوط المطالبة بحقوق الدولة والمتمثلة في ملايين الجنيهات مديونيات مستحقة على وحداتهم، وعلى رأسهم زوجة رئيس الاتحاد والمدينة بأكثر من 400 ألف جنيه للدولة، فضلا عن مخالفات عدة ارتكبت في مارينا بضم الممرات والحدائق الخارجية لحدود الفيلات وهي مخالفة تستوجب الازالة والغرامة.

الوزير أيضاً يواجه حرباً شرسة لإجباره على تسليم مارينا، سخر من أجلها كتاب وصحفيون كبار في مؤسسات صحفية هامة، وشنوا حرب تهديد ووعيد ضد الوزير، دفعته للموافقة على حضور المهندس كمال فهمي نائب رئيس الهيئة للجمعية العمومية لملاك مارينا، والتي صوتت فيها هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، ضد مصالحها ، مجاملة لاتحاد شاغلي مارينا، حيث صوت فهمي “تصويتا خادعا” متظاهرا برفض مقترح تخفيض عدد مقاعد ممثلي بنك التعمير والاسكان في مجلس إدارة الشركة من 4 إلي 3 مقاعد، وهو رفض لا قيمة له كونه صوتا واحدا غير مؤثر في الاجتماع، في حين إنه لو كان حريصاً على حق الدولة وعدد ممثليها، لكان وجب عليه عدم حضور الجمعية من الأساس، كما حدث في الجمعية التي سبقتها.

حسم المعركة

قرار الوزير وحده يحسم المعركة، إما لصالح الدولة المصرية وتأكيد سيادة القانون، أو لصالح الأباطرة بتسليم مارينا لهم على طبق من فضة، ليستغلوا بمعرفتهم ولحسابهم، مساحات شاسعة يمكن أن تدر مليارات الجنيهات لخزينة الدولة، وهو الخطر الذي بدأ يتسلل للعاملين في جهاز القرى السياحية، وأنهم في لحظة ما قد ينتهي وجود جهاز القرى السياحية تماما، وستتفرق مصائرهم وتضيع معها بقعة غالية من أرض مصر.

القرار متروك للوزير ومن فوقه الجهات الرقابية الأمينة على مال الدولة المصرية، ونظن انها ستتدخل في القريب العاجل لوقف النهب العام لأموال الشعب.

شارك هذا الموضوع !

لا توجد تعليقات

أضف تعليق