الأسباب الحقيقية وأسماء الجناة في غرق “القاهرة الجديدة”


اسكان مصر – محمود الجندي 

لم تكن أزمة غرق مدينة القاهرة الجديدة في مياه الأمطار مصادفة، بقدر ما كانت تسديداً جزئياً لفاتورة إهمال وفساد تراكم لسنوات وجرفت ستره مياه الأمطار، والتي تزامنت معها هجمة شرسة على جهاز مدينة القاهرة الجديدة ورئيسه المهندس مصطفي فهمي، استخدمت فيها وسائل إعلام وشن خلالها رجال أعمال ونواب وأخرين من “أصحاب المصالح” الحرب على هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة مطالبين بإقالة رئيس الجهاز دون البحث في أصل الكارثة والمتسببين فيها.

الهجوم الكاسح الذي بدأ منذ مساء يوم 23 أبريل كان مريباً إلى حد كبير، حيث أن الأمطار ضربت أغلب المدن في شرق القاهرة وتضررت مشروعات خاصة منها ” مدينتي والرحاب” مثلما تضررت مدينة القاهرة الجديدة، لكن الاعتراضات هناك كانت منطقية ومقبولة في مواجهة كارثة بهذا الحجم، في حين لم تكن كذلك في مواجهة جهاز مدينة القاهرة الجديدة.

وحتى تتضح الصورة أكثر فهناك 3 متهمين في كارثة القاهرة الجديدة أخرهم هو إدارة المرافق في جهاز القاهرة الجديدة، وأولهم هو الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي برئاسة المهندس ممدوح رسلان ثم شركة كهرباء شمال القاهرة.

وكي تكون الصورة أكثر وضوحاً فإن جهاز مدينة القاهرة الجديدة تسلم مهام إدارة وتشغيل محطات المياه والصرف في مدينة القاهرة الجديدة أواخر شهر فبراير 2018  أي لم يمضى علي استلامه للمحطات والروافع وكافة مهمات منظومة المياه والصرف الصحي شهرين، وهي فترة قصيرة لا يمكن خلالها حصر التلفيات والأعطال وإجراء الصيانة اللازمة للمحطات، وبالتالي فالمسؤول هنا هو شركة مياه القاهرة الجديدة التابعة للشركة القابضة والتي كانت تدير المحطات وهي المسؤولة عن صيانتها خلال العشر سنوات الأخيرة وحتى لحظة تسليمها لجهاز القاهرة الجديدة قبل شهرين.

التفاصيل في ملف الشركة القابضة لمياه الشرب طويلة ومرهقه، والحديث عن مساومات الشركة القابضة لهيئة المجتمعات ومحاولاتها المستميتة لعدم تسليم المحطات لجهاز القاهرة الجديدة تحتاج لعشرات الصفحات، لكن إجمالا ينص القرار الجمهوري رقم 135 لسنة 2004 بإنشاء شركة قابضة لمياه الشرب والصرف الصحي والشركات التابعة لها، على أن تتولى الشركة القابضة إدارة مرفق المياه والصرف والمحطات بشكل منفصل عن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وأجهزتها، على أن تقوم الشركة القابضة بصيانة المحطات والبنية التحتية من المتحصلات الخاصة باستهلاك المواطنين.

القرار الجمهوري واضح وضوح الشمس لكن التطبيق العملي منذ تأسيس الشركة القابضة والشركات التابعة في المدن الجديدة اقتصر على تأسيس الشركة وتعيين الموظفين وتحصيل فواتير المياه والصرف دون القيام بالشق الأهم وهو صيانة المحطات والخطوط وهو سبب الانفجارات المتتالية للخطوط خلال السنوات الماضية في عدد من المدن الجديدة، وبتطبيق القرار الجمهوري على ما حدث في القاهرة الجديدة وتعطل المولدات الخاصة بتشغيل المحطات ما تسبب في تفاقم الكارثة بعد انقطاع التيار الكهربائي عنها، نجد أن المسؤول هو الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي وليس جهاز المدينة الذي لم ينتهي بعد من حصر متطلبات المحطات والصيانات العاجلة المطلوبة لتعود للعمل بكامل طاقتها.

ناهيك عن المحاولات المستمرة لعرقلة خطوات نقل تبعية منظومة المياه والصرف لأجهزة المدن الجديدة وتحديداً جهازي القاهرة الجديدة والشيخ زايد حيث أنهما الأكثر تحصيلا ويدران دخلا كبيرا للشركة القابضة يصرف رواتب ومكافآت للموظفين دون اتمام الصيانة اللازمة للمحطات والخطوط، بل كانت هناك محاولات في القاهرة الجديدة للضغط على وزير الإسكان لعدم نقل المنظومة بقطع المياه المتكرر في الذروة الصيفية عن السكان لتهييجهم .

القرار بعودة محطات المياه والصرف لولاية هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة كما كان الوضع قبل تأسيس الشركة القابضة هو تصحيح لأوضاع مغلوطة وخدمة جليلها قدمها وزير الإسكان لسكان المدن الجديدة، فالأمور كانت في تفاقم مستمر، خاصة بعد أن طلبت الشركة القابضة 3 مليارات جنيه لتصيين الشبكات والمحطات على الرغم من أن هذا البند كان يجب أن يتم من قيمة فواتير المياه التي ترتفع كل عام.

المتهم الثاني في الواقعة، هو شركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء والتي قامت بقطع التيار عن جميع محطات الرفع والصرف في مدينة القاهرة الجديدة دون إدراك لعواقب توقف المحطات بشكل كامل، ما تسبب في عودة المياه مره أخرى للشوارع، فلم تكن المشكلة الأصلية هي عدم وجود بالوعات صرف أمطار بل على العكس ففي كل شوارع المدينة بالوعات صرف أمطار لكن المشكلة كانت في تعطل المحطات عن العمل بعد انقطاع الكهرباء.

المتهم الثالث في الواقعة، هو إدارة المرافق في جهاز المدينة والتي قصرت في التأكد من عمل المولدات الموجودة في المحطات، وهو تقصير يستوجب الجزاء الإداري كونه مرتبط بالفترة الزمنية القصيرة بين تسلم جهاز المدينة المحطات وقيامها بحصر وإجراء الصيانات اللازمة لتعويض الخسائر التي حدثت خلال 10 سنوات هي فترة إدارتها من قبل الشركة القابضة لمياه الشرب.

رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي والذي يدرك أبعاد الأزمة قال في أول تعليق له على غرق القاهرة الجديدة: “أتفهم تماماً حالة المعاناة التي ألمت ببعض المصريين نتيجة الآثار الناجمة عن تساقط الأمطار بشكل مفاجئ وغير معتاد عليه خلال اليومين الماضيين، وأؤكد أن الدولة بكافة أجهزتها ستكثف من جهودها لتلافى حدوث مثل هذه الأثار مرة أخرى”.

الواقعة كانت فرصة مناسبة للانتقام من جهاز المدينة ورئيسة النشيط المهندس مصطفي فهمي، وهب من كل حدب وصوب من يقدم طلبات إحاطة لدغدغه مشاعر السكان، وأخرين أدلوا بتصريحات عنترية عن ضرورة محاسبة المقصرين دون أن يعرف أحدهم من هم المقصرين وحدود مسؤولياتهم .

كما ساهمت وسائل إعلام ومواقع اخبارية في ترويج أكاذيب تشيد بانجازات الشركة القابضة لمياه الشرب في إدارة الأزمات، وتدلل بما حدث على فشل أجهزة المدن الجديدة في إدارة المرفق بالشكل الصحيح، في محاولة لتحقيق مكاسب جديدة بخلاف ما حققوه بمجاملة الشركة القابضة، بل نشروا عشرات الأخبار عن التحقيق مع مسؤولين من الجهاز وهو أمر خلاف الحقيقة.

الكل يغني على ليلاه في أزمة القاهرة الجديدة، فبعض أصحاب شركات العقارات أخذوا يدرسون تأثير ما حدث على مبيعاتهم في القاهرة الجديدة، في حين بدأ أخرون في غرب القاهرة الترويج لبضاعتهم باعتبار أن مدن 6 أكتوبر  والشيخ زايد “برمائيتان” ولا تغرقان في مياه الفساد.

جهات كثيرة بدأت متابعة الأزمة وتفقد المحطات لمعاينتها وعلى رأسها هيئة الرقابة الإدارية والكلية الفنية العسكرية ولجان مكبرة من هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، لبحث سبل عدم تكرار الأزمة مستقبلاً.

الإطاحة برئيس الجهاز المهندس مصطفي فهمي وهو صاحب بصمة ليس هو الحل الصحيح للأزمة فقد غرقت القاهرة الجديدة خلال السنوات الثلاث الماضية ولم يكن فهمي مسؤولا عنها، ما يستدعى البحث عن الجناة الحقيقيون فيما حدث، وعدم الانسياق وراء أصحاب الأجندات الذين تعطلت مصالحهم الفاسدة بتعيين فهمي رئيساً لجهاز القاهرة الجديدة.

كما أن الوقت بات ملحاً لسرعة تقسيم المدينة إلى 3 مدن بأجهزة مستقلة وتخضع لمشرف عام من هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة خاصة بعد توسعاتها التي لامست حدود مدينة العين السخنة.

لو كان الحل في إقالة رئيس الجهاز كما ينادى البعض لاستقال الرجل من نفسه فهو يدرك قيمته التي لا يدركها سكان تعايشوا مع الفساد لسنوات ولا يعرفون حجم المقاومة التي يواجهها فهمي من أذناب الفساد داخل الجهاز الإداري.. وستثبت التحقيقات الجادة صدق ما ذكرناه.

 

شارك هذا الموضوع !

لا توجد تعليقات

أضف تعليق