“هــــرم سيتى”.. السكان يغرقــــــون في كوابيس المدينة


النازحون من “عشوائيات” القاهرة يتجمهرون اعتراضا على حملة إزالة لاشغالاتهم

تقارير رسمية: المباني بدون قواعد خراسانية والشروخ تضرب الحوائط الحاملة

مواطن: منزلى أشبه بمنزل كارتون.. ووحدات المدينة مهددة بالانهيار

مُـــلاك الوحدات يعترضون على عدم فصلهم عن سكان الإيــــواء.. ويؤكدون: نحلم لأبنائنا بحياة أفضل

 

تحقيق ــ شيماء زايـد:

بمجرد الدخول من البوابة الأولى لمدينة هرم سيتى فى السادس من أكتوبر تجد الكثير من المنازل العشوائية تلتف حولها مجموعة من الماعز والأغنام والدجاج، تفترش السيدات أمام أبواب منازلهن؛ منهن من تبيع الحلوى الرخيصة وبعض الفاكهة, وأنابيب البوتاجاز، بالإضافة إلى وجود بعض الورش.. فى الجهة الأخرى ترى وحدات سكنية متجملة بالزهور والأشجار، تقف أمامها بعض السيارات الفارهة.

جولة ميدانية

“إسكان مصر” كان لها جولة ميدانية  بالمدينة لسماع شكاوى المواطنين ومعرفة تطورات الأوضاع على أرض الواقع بعد التجمهر الذى شهدته المدينة الأسبوع الماضى، عقب حملة لإزالة العشوائيات شنها جهاز مدينة 6 أكتوبر، وبحضور المدير التنفيذى لشركة أوراسكوم لإزالة مبانى سوق الدويقة، التى تم بناؤها في منطقه الإيواء.

لم تستطع الحملة تنفيذ مهمتها بالطبع بعدما تجمهر عدد كبير من الأهالى وأصحاب المحال المخالفة، وتعدوا بالطوب والعصى على قوات الشرطة، واحتجزوا بعض مهندسى الجهاز، وحطموا سياراتهم،  كما تعدوا بالسلاح الأبيض على موظفى مبنى إدارة الشركة بالمدينة ومكاتب الأمن.

منطقة الإيــــواء

“إحنا اتنصب علينا عينى عينك”.. أولى الكلمات التى نطق بها كل من حاورتهم “إسكان مصر” من سكان مدينة هرم سيتى من الجانبين.

يقول أحمد، صاحب الخمسة والثلاثين عاما، من “سكان الدويقة” كما يـُعرفون بالمدينة، إن الفساد بالمدينة زاد عن الحد، واصفا المبنى الذى يقطنه بـ”الكارتون”، مضيفا أنه قادم من منشأة ناصر، وأن الغرفة التى كان يسكنها هناك أفضل وأكثر أماناً من هذا المنزل، كما أنه  هناك كان يجد قوت يومه.

من جانبها، أخبرتنا إحدى السيدات أنها لم تتوقع بعد انتقالها من حافة الجبل بمنطقة إسطبل عنتر أن يصبح المنزل الجديد مهددا بالسقوط، إذ ظهرت شروخ كبيرة في الجدران، مشيرة إلى أن المعاناة التى مرت بها أسرتها بعد تركهم مسكنهم فى إسطبل عنتر، من بينها ارتفاع أسعار المواد الغذائية، خاصة أن معظم سكان الإسطبل حسب قولها أرزاقية، (على باب الله يعيشون اليوم بيومه).

بينما اشتكى “عم أحمد”، الرجل الستيني ذو الملامح القاسية، من أن رائحة المياه كريهة، ولا يملكون ثمن فلتر التنقية.

مُـــلاك الوحدات

لم تقتصر الشكوى على منطقه الإيواء فقط، بل امتدت لتشمل أصحاب الوحدات المشتراة من الشركة، الذين أكدوا عدم توافق التركيبة السكانية للمدينة، بينهم “أ.ف”، الذى يعمل فى إحدى الجامعات المرموقة بمدينة 6 أكتوبر، إذ قرر أن يبتعد عن ضوضاء وزحام العاصمة، طمعا في الهدوء والراحة، التى تبدو عليها المدينة، ولكن الشركة أوهمتنى، حسب قوله، فالاتفاق مع الشركة يتضمن إنشاء مناطق فاصلة بين سكان الإيواء وملاك الوحدات، مشددين على أنه ليس من حق سكان الإيواء التجول بمنطقة الوحدات، وهو ما لم يحدث.

وأوضح، أنه لم يعترض على نقل المواطنين المعرضين للخطر في وحدات آمنة، إلا أنه من حقه اختيار البيئة التى سينشأ أبناؤه فيها، خاصة أنه دفع كل مدخراته لاختيار حياة أفضل لأسرته.

وأكد أن كل ما أراده هو الهرب من صخب العاصمة، مشيرا إلى أن ما يحدث من بعض التعديات من سكان الدويقة، كما يطلقون عليها، كسماع الألفاظ الخارجة، ومشاهدة الممارسات العنيفة التى تعرض لها شخصيا، بالإضافة إلى أن بعض صغار الشباب بالمنطقه يعملون بتجارة المخدرات والسرقة، ومعظمهم مسجلون خطر، قائلاً: “لست عنصريا لكن من حقى أن أعيش على النحو الذى حلمت به”.

فيما تصف السيدة “ش. أ” الشهور الأولى بأنها كانت منبهرة بالخصوصية والهدوء رغم معاناه تكرار انقطاع التيار الكهربائى والمياه، لكن الجيران الجدد أصابوها بالقلق.

وأضاف “ع.ر” أن الطرق ترابية, عبارة عن مدقات، كما أنه لا توجد عدادات كهرباء، ولا خطوط تليفونات أرضية، أو شبكات تقوية للمحمول إلا لشبكة أورانج.

وتنوعت الشكاوى من سكان المنطقتين، حيث يلقي سكان المدينة اللوم على بعضهم البعضن، بينما أجمعوا أيضا على أن المدينه تفتقر لجميع الخدمات وأهمها الطبية.

“إسكان مصر” رصدت أيضا انهيار بعض العقارات والتى تم إخلاؤها بالفعل, فضلا عن الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي والمياه ما تسبب في حدوث تلفيات كبيرة داخل المنازل.

ورغم أن مدينة هرم سيتى التابعة لشركة أوراسكوم للإسكان التعاوني حديثة التشييد، إذ تم إطلاق المشروع في مايو2007 فإن التجاوزات القانونية تحوم حول المدينة، بداية من التعاقد مرورا بما شهده المشروع من مخالفات تستوجب سحب الأرض وعودتها لحوزة هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، خاصة بعد إحالة رئيس شركة أوراسكوم الأسبق إلى الجنايات، هو واستشاري المشروع الدكتور ممدوح حمزة، لإقامتهما مبان بدون ترخيص ودون مراعاة المواصفات الفنية للبناء ولاتزال القصة مستمرة.

منذ الإعلان عن المدينة، التى تبلغ مساحتها 8.4 مليون متر مربع، ككمبوند للشباب محدودي الدخل محاط بسور شجري وبوابات وتحت رقابة الدولة، سارع الكثير من الشباب لحجز هذه الوحدات التي اكتشفوا بعد ذلك ما لم يتوقعونه فيها وبعد دفعهم كل مدخراتهم في هذه الوحدات الصغيرة التي تتراوح مساحتها من 40 إلى 63 مترا، حيث لم تلتزم الشركة بالعقد المبرم بينها وبين وزارة الإسكان وبقرار التخصيص الوزاري رقم 461 لسنة 2007 فقامت الشركة ببناء المدينة بدون قواعد خرسانية وبنظام الحوائط الحاملة حيث تعرضت هذه المبانى للانهيار بالفعل خلال فترة قصيرة جدا.

وكان التقرير رقم 638 لسنة 2009 الصادر عن جهاز 6 أكتوبر أشار إلى أن المعاينة الظاهرية للمشروع كشفت إقامة منشآت سكنية بدون ترخيص، وكذلك القيام ببناء الوحدات المرخصة على مساحة أكبر من المعتمدة، وفي عام  2012 شكلت مديرية الإسكان والمرافق بالجيزة لجنة ضمت عددا من مهندسي التفتيش الفني لمعاينة مشروع هرم سيتي علي الطبيعة، حيث أقرت اللجنة في تقريرها “وجود مبان دون قواعد خرسانية، وبدون أساسات مما أدي الي تصدع بعضها وحدوث شروخ نافذة وخطيرة، فضلا عن انفصال الحوائط عن بعضها البعض”، كما أكدت اللجنة في تقريرها أن “المباني غير مطابقة للمواصفات الهندسية وتشكل خطورة علي الأرواح لاحتمالية انهيارها”.

وأقامت شركة أوراسكوم، والتي تقوم علي شراكة أمريكية بنسبة 15%، و يترأسها رجل الأعمال سميح ساويرس دعوى أمام المركز الدولي لفض منازعات الاستثمار بعد فشل مفاوضات حل النزاع مع هيئة المجتمعات العمرانية، والتي شهدت الفترة الأخيرة محاولات للتسوية حيث قدمت الشركة عرضا باستحواذ صندوق تمويل الإسكان الاجتماعي على حصة الشريك الأمريكى في الشركة مقابل إعادة الأرض التي سبق منح الشركة وعد ببيعها لها وهي بمساحة 1380 فدان، ولكن لم يتم التوصل إلى اتفاق بين الطرفين حتى كتابة هذه السطور.

كل هذه المخالفات والشبهات تبدو كارثية، ولكن هناك وجها آخر لواقع يعيشه سكان المدينة المحاطة بالأسوار، ويتمثل فى التركيبة السكانية التى لا تشبه بعضها، بعد أن وافق صاحب المشروع علي منح الدولة وحدات لصالح سكان المناطق العشوائية مثل منطقة إسطبل عنتر والدويقة, وعزبة خير الله، ومصر القديمة كتسوية للضرائب المستحقة عن المشروع في صفقة وصفتها وسائل إعلام بـالـ”مشبوهة”.

أوكار وبائعات هوى

بعد عدة أمتار من بوابات الكمباوند، أو الحي الشعبى الجديد، ستجد سكان الدويقة, أو العزبة، أو إسطبل عنتر، (وغيرها من الألقاب التي أطلقها سكان الكومباوند على منطقة العشوئيات) والتي تظهر الفارق المعيشي بين تركبيه هذا المجتمع الصغير بشكل واضح, فقد تحولت المدينة الحالمة إلى وكر لإيواء المجرمين والهاربين من تنفيذ الأحكام والكثير من الساقطات وبائعات الهوى الذين يتخذن أفضل منطقة بالمدينة مرتعا لهن في أماكن معلومة للجميع، أضف إلى هذا العدد الكبير للكلاب الضالة التى تنتشر فى جميع الشوارع والممرات.

ويبقى السؤال الذى لا إجابة له منذ بناء هذا الكيان الضائع، متى سينتهى ملف العشوائيات، ومن يحدد مصير الطبقات الاجتماعية المختلفة داخل أسوار مدينة واحدة، بينما تعلن الشركة المالكة أن المشروع متكامل ويضم العديد من الخدمات والمنشآت مثل المدارس، والعيادات، أو المتاجر، وقاعات العرض السينمائى، ودور العبادة، بالإضافة إلى نادٍ رياضى متكامل تحت الإنشاء.

شارك هذا الموضوع !

لا توجد تعليقات

أضف تعليق